أبي منصور الماتريدي
114
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله - عزّ وجل - : وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ . فهذه الآية كأنها في إلزام الوعيد ؛ يقول : إنه عالم بالأنفس التي فيها الصدور بما يضمرون فيها ، وما يودعون ، وما يكتمون ، وما يخبرون عما أودعوا فيها ويظهرون . والصدر : هو ساحة القلب ، سميت صدرا ؛ لأن الآراء تصدر عنها ؛ فهو عالم بالأنفس التي لها الصدور بما يصدر عن آرائهم ، وعالم بما يضمر فيها من الأسرار . وقوله - عزّ وجل - : أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ . تأويله عند أهل الإسلام : ألا يعلم من خلق ما « 1 » أسروا أو جهروا ، و ( من ) راجع إلى الله تعالى دون الخلق ، كأنه يقول : ألا يعلم الخالق وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ، وفيه إثبات خلق الأفعال والأقوال وخلق الشر ؛ فيكون حجة لنا على المعتزلة في خلق أفعال العباد . وقال جعفر بن حرب وأبو بكر الأصم : إن حرف ( من ) لا يرجع إلى الله تعالى ، وإنما يرجع إلى الخلق ؛ فكأنه يقول : ألا يعلم الله من خلق ؛ على إضمار اسم الله تعالى فاحتالا بهذه الحيلة لنفي الخلق عن الأفعال ؛ لأن حرف ( من ) يرجع إلى الأنفس دون الأفعال والأقوال . وذلك فاسد ؛ لأن الآية في موضع الوعيد ، ولو كان قوله : مَنْ خَلَقَ راجعا إلى الأنفس ، لزال موضع الوعيد ؛ إذ ليس في خلق الأنفس وعلم الله بها إثبات العلم بأفعال وجدت منهم ، ولا في خلق الأنفس إيجاب الوعيد بالأفعال ؛ ولأنه لو لم يكن الله تعالى خالقا لما يجهر به العبد ولما يخفيه لم يكن ليحتج به على عمله ؛ إذ قد يجوز جواز الجهل من غير الذي يفعله ؛ فلا يجوز أن يحتج عليهم بفعل غيره ؛ ولأنه ليس في إثبات العلم بخلق الأنفس إثبات العلم بما أسروا أو جهروا ، كما لم يكن عند المعتزلة في إيجاب الخلق لنفس الإنسان إيجاب الخلق لأفعالهم ، ومعلوم بأن الآية في تحقيق العلم بما أسروا أو جهروا ؛ لأن قوله : أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ مذكور على أثر قوله : وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ، وقوله : إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي : عليم بما تسرون وما تجهرون ؛ فثبت أن الخلق راجع إلى ما أسروا أو جهروا ، ثم إن الناس على اختلافهم اتفقوا أن كل واقع بالطبع والضرورة مخلوق لله تعالى ، وإنما اختلفوا في الفعل الواقع بكسب العبد : فمنهم من أثبت فيه الخلق وهو قول أهل الهدى ، ومنهم من أبى القول بخلقه . ثم المرء لا يتهيأ له استعمال اليد إلا في العمل الذي جعل في طبع اليد احتمال ذلك العمل ، ولا يتهيأ له أن يستعمله في الوجه الذي لم يجعل في طبعها احتمال ذلك ؛ لأنه لو أراد أن يرى بيديه ، أو يسمع بهما لم يملك ذلك ؛ فثبت أنه ملك استعمالهما في القبض
--> ( 1 ) في أ ، ب : مما .